تحقيقات وتقارير

من العباسيين إلى يومنا هذا … مسجد بن طولون جوهرة القاهرة الخالدة

 

 

 

كتبت نور يوسف

في قلب القاهرة، حيث يختلط عبق التاريخ بسمات الحاضر، يقف جامع أحمد بن طولون  شامخًا منذ أكثر من ١١٠٠ عام، متفردًا بجماله المعماري وروعة تصميمه. بُني هذا الصرح العظيم بأمر من الأمير أحمد بن طولون في أواخر القرن التاسع الميلادي، ليكون رمزًا للعمارة الإسلامية التي تعكس براعة الحضارة العربية. يُعتبر المسجد أحد أقدم المعالم الإسلامية في العالم، وقد صمد أمام الزمن ليصبح شاهدًا على عصور متعاقبة. وتروي المقولة الشهيرة عنه: “لو احترقت القاهرة لا يحترق، وإن غرقت لا يغرق”، قصةً عن قوة التصميم الهندسي الذي يجسد أصالة هذا المعلم، الذي يتخطى تحديات الزمن والمكان. ليصبح جامع ابن طولون منارةً للزائرين، يستقطب الباحثين عن الجمال والمعرفة في صفحات التاريخ.

دعونا نعود بالزمن إلى القرن الثالث الهجري، حين استقر ابن طولون في مصر بعد أن عُيّن نائبًا عن الخليفة العباسي،وفي عام ٢٥٧هـ، بدأ مشروع بناء مدينة جديدة تُعرف بالقطائع. 

تعود الفكرة حين وقف أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية، على قمة جبل يشكر، المتمركز في منطقة السيدة زينب حاليًا، وأعلن عن رغبته في بناء مسجد فريد من نوعه. كان حلمه أن يُشيّد جامعًا يواجه صعوبات الزمن والتغيرات الطبيعية، فصرّح قائلاً: “أريد أن أبني جامعًا إذا احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي”.

انطلقت رحلة بناء هذا الصرح العظيم في عام ٢٦٣ هـ (٨٧٦ م) واستمرت حتى ٢٦٥ هـ (٨٧٩م)،اختار أحمد بن طولون موقعًا استراتيجيًا لبناء المسجد، ليكون جامعًا رئيسيًا في العاصمة الجديدة المعروفة بـ القطائع، حيث أدرج المسجد ضمن التخطيط الحضاري لهذه المدينة.

 وقد استعان ابن طولون بالمهندس المصري القبطي السعيد بن كاتب الفرغاني، الذي كان من أبرز مهندسي العمارة في ذلك الوقت. بفضل حنكته وإبداعه، صمم الفرغاني المسجد باستخدام مواد مبتكرة لتحقيق حلم ابن طولون.

 وبالفعل تحقق حلم طولون على يد الفرغاني ، فتم إنشاء المسجد باستخدام الطوب الأحمر المحروق ، وهي مادة تُعرف بقوتها ومقاومتها العالية للحرارة، مما يجعلها خيارًا مثاليًا لمواجهة الظروف البيئية القاسية. كما تم اختيار موقع المسجد على ربوة عالية، وهو ما ساعد في حمايته من فيضانات النيل، وبالتالي تجنبه مخاطر الغرق.

علاوة على ذلك، تم استخدام مزيج من الجير والرماد في عملية البناء، مما زاد من متانة الهيكل وقوته، وجعل من المسجد رمزًا للصمود. ومن جهة التصميم الهندسي، تم اعتماد أسلوب متقن، حيث أُدرجت قنوات لتصريف المياه، مما يمنع تجمع الرطوبة والتسربات التي قد تؤثر سلبًا على سلامة الهيكل. 

 

هذه الميزات الهندسية لم تُضف فقط جمالية إلى المسجد، بل أيضًا ضمنت استمراريته على مر العصور، مما جعله من أبرز المعالم التاريخية في العالم الإسلامي، والذي يبرز جمال الطراز العباسي والفاطمي، ويعكس تطور العمارة الاسلامية في تلك الفترة.

وتُعتبر تكلفة البناء في ذلك الزمن حوالي ١٢٠ ألف دينار، وهو رقم كبير يعكس أهمية المشروع.  

يتميز المسجد بتصميمه الهندسي الفريد الذي يجمع بين البساطة والعظمة،

فمن أبرز ملامح المسجد والتي تشكل نقطة جذب سياحي المئذنة الفريدة التي تعتبر من أقدم المآذن اللولبية في العالم، حيث تحتوي مئذنته على تصميم حلزوني متميز يبلغ طولها ٤٠.٤٤ متر، وهي مستوحاة من تصميم مئذنة سامراء في العراق، فقد قضى ابن طولون أوج حياته في مدينة سامراء.

وتُضفي الزخارف الجصية الرائعة على جدران المسجد طابعًا فنيًا فريدًا، حيث تعكس دقة الذوق الفني للعصور الإسلامية، وهناك نقوش هندسية و نباتية بديعة.

تمتد مساحة المسجد لتصل إلى حوالي ٢٧٠٠٠ متر مربع، مما يجعله واحدًا من أكبر المساجد في العالم، قادرًا على استيعاب أعداد كبيرة من المصلين. 

يجمع المسجد بين الأناقة والعملية، حيث يتضمن صحناً كبيراً محاطًا بأربعة أروقة تتكون من عدة أعمدة وعلى عكس المعتاد، استخدم الطوب بدلا من الرخام في بناء الأعمدة،تُعطي لمسة فريدة تعكس الأصالة في التصميم. مما يعكس التأثيرات الثقافية والفنية للعصر الطولوني، ويحتوي الصحن على نافورة رائعة تعلوها قبة مذهبة مميزة.

ويشمل المسجد ستة محاريب جميعها في إيوان القبلة، منها محراب رئيسي مجوف ومزخرف بشكل متقن، يضفي لمسة من الفخامة على المكان. 

تتميز واجهات مسجد ابن طولون بجمالها الفائق، حيث تحتوي على واحد وعشرين بابًا وواحدٍ وتسعين نافذة، مما يعزز من رونق المكان ويتيح تدفق الضوء الطبيعي إلى الداخل، ليضفي عليه أجواءً من الإشراق والحيوية.

بهذه العناصر، يُجسد جامع ابن طولون ليس فقط معلمًا دينيًا، بل تحفة معمارية تحمل في طياتها عبق التاريخ وجمال الفن الإسلامي.

 

يُعتبر مسجد ابن طولون منارة حضارية تعكس روح التسامح والتعايش، حيث يقع في منطقة كانت تضم مسيحيين ومسلمين، مما يجسد قيم الانفتاح والمشاركة. لم يكن هذا المسجد مجرد مكان للصلاة، بل أصبح مركزًا ثقافيًا وتعليميًا بارزًا، حيث استقطب العلماء والمفكرين من مختلف الأرجاء لتبادل الأفكار والنقاشات.

 

منذ تأسيسه، لعب المسجد دورًا حيويًا في نشر العلم والمعرفة، حيث استخدم كمكتبة ومدرسة، مما ساهم في نهوض الحضارة الإسلامية. في رحابه، كانت تُعقد حلقات دراسية ومحاضرات، مما أتاح للفلاسفة والمفكرين التواصل ومشاركة العلوم والفنون، معززين بذلك من مكانة المسجد كمركز علمي وثقافي. 

يُعد مسجد ابن طولون تحفة معمارية فريدة تجسد عظمة الحضارة الإسلامية في مصر، حيث يجمع بين الجمال المعماري والتاريخ الغني، ليبقى رمزًا خالداً للمعرفة والتسامح.

 

شهد جامع ابن طولون عبر العصور العديد من التغيرات والتحولات، إذ تحوّل في القرن الثامن عشر إلى مصنع للأغطية الصوفية، وفي منتصف القرن التاسع عشر أصبح ملجأً للعجزة. لكن على الرغم من هذه التحولات، ظل المسجد ماثلاً أمام الزمن، محتفظًا بجماله المعماري وزخارفه الفنية الرائعة. 

و كانت له رحلة طويلة من الصمود والترميم. بدءاً من حكم محمد بك أبي الذهب مرورا بعام ١٨٨٢ مع تشكيل لجنة حفظ الآثار العربية، واستمرت بعهود الملك فؤاد الأول والملك فاروق، وصولاً إلى الترميمات الحديثة التي قامت بها وزارة الثقافة المصرية عام ٢٠٠٥.  

 

إن جامع ابن طولون ليس مجرد بناء تقليدي لمعلم ديني، بل هو رمز حي لتاريخ مصر الإسلامية ومرآة تعكس براعة العمارة الإسلامية في أبهى صورها. يمتاز المسجد بجمال تصميمه الفريد وتفاصيله المعمارية التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، مما يجعله نقطة التقاء للثقافات والأفكار. عبر أكثر من ١١٠٠ عام، صمد هذا المعلم التاريخي في وجه الزمن، ليظل شاهداً على الإبداع والروح الثقافية التي ازدهرت في العصر الطولوني. لذا، عندما تقف أمام جامع ابن طولون، تدرك أنك أمام تحفة فنية وثقافية تدعوك للتأمل في ماضٍ غني بالإبداع والإنجازات. إنه ليس مجرد مكان للصلاة، بل هو شهادة حية على قدرة الإنسانية على بناء وتطوير حضارة لا تزال تلهم الأجيال.

script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-6898956440328841" crossorigin="anonymous">
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى